Sunday, January 06, 2008

ظاهرة إكاون الطرب و المجتمع الحساني
بقلم: السيد حمدي يحظيه /مقالات سابقة
من العادات الرفيعة في المجتمع البيظاني أو الحساني، وحصرا في الصحراء الغربية وموريتانيا، عادة التعامل مع ظاهرة "إكاون الطرب" والغناء بالكثير من التفهم والاحترام، فكانوا إذا نزلوا بحي تقوم الدنيا وتستنفر وتقف ولا تقعد ولا تنام حتى تستكمل الحفاوة بهم فتذبح الذبائح وتنحر النحائر، بل أن بعضهم في القديم كان يقصد الشيوخ والأعيان ويختار من نوقهم وجمالهم أغلاها وأجملها ويذهب دون أن يتعرض له أحد أو يذكره بسوء، وكان ذكرهم بسوء هو السوء بعينه وبذاته. ولا يتوقف احترام "إكاون الطرب" عند هذا الحد، بل أنهم كانوا يمدحون أحدا اليوم وغدا يمتدحون غريمه وهذا شيء عادي في سلوك "إكاون الطرب" والمجتمع البيظاني معا.
وإذا كان هذا أمر متعارف عليه قديما وحديثا فإن هؤلاء الناس ( إكاون الطرب) قد وجدوا أخيرا من يزاحمهم في الساحة وفي مهنتهم ويسرق منهم رزقهم، وهؤلاء ليسوا سوى "إكاون سياسيين". قد يبدو التعبير فنتازي نوعا ما وغير واقعي، لكن حين ينتبه الصحراويون والموريتانيون حولهم وفي محيطهم يجدون أن ظاهرة التكسب بالسياسة الرخيصة صار ظاهرة وموضة جديدة، وأقرب تسمية لأصحابها هي تسمية " إكاون سياسيون" مع وجود عدة فروق أهمها أن إكاون الطرب يتكسبون من الغناء والفن ورسالتهم مفهومة بينما إكاون السياسة يسترزقون على حساب الشعوب والقضايا الشريفة ومستعدون للدفاع عن قضايا هم غير مقتنعين بشرعيتها وعدالتها.
فالآن صارت موريتانيا والصحراء الغربية ساحة مخترقة من طرف الأمن المغربي الذي ينفخ بالأشداق والكيران تحت جمر شاي هؤلاء الأشقاء الهادي الدافئ ليحوله إلى نار مستعرة لخلق ساحة صراع جديدة مع الصحراويين ليعيد موريتانيا إلى زمن المختار داداه وولد مكناس وشلتهم الذين أشعلوا فتنة بين الأشقاء في موريتانيا والصحراء الغربية لم تنته إلا بعد تفطن الشرفاء الموريتانيون للخطر الذي جرتهم إليه الشلة المذكورة . وإذا كان المختار ولد داداه قد حزن في أخر أيامه وندم أشد الندم وعض شفتيه وأصابعه وأعترف أن من بين أخطائه كان الموالاة للمغرب وشن حرب على أشقائه الصحراويين، فإنه بدأ يظهر اليوم على الساحة الموريتانية والصحراوية خلفاء لولد داداه وولد مكناس، خلفاء في التفكير والعقلية التوسعية المتطرفة التي لا تحترم حق شعوب المنطقة ولا حق شعب موريتانيا وظننا جميعا أن تلك العقلية التوسعية دُفنت مع ولد داداه وولد مكناس. إن الذي يطفو منذ مدة على ساحة موريتانيا الشقيقة والصحراء الغربية من ظهور شخصيات موريتانية أو من أصل صحراوي بعضها يتطفل على الثقافة وبعضها على السياسة وبعضها على الصحافة، لكن رسالتها عموما تصب في حوض واحد هو الدفاع عن الأطروحة المغربية القاضية بتشريع احتلال الصحراء الغربية بالغناء والتزمير لما أصبح يسمى بالدفاع عن "الحكم الذاتي" الذي يمنحه المغرب للصحراء الغربية.
ف"إكاون السياسة" الذين نعني، والذين ظهروا في المدة الأخيرة في موريتانيا والصحراء الغربية ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، قسم يسمون أنفسهم منتدى المثقفين الموريتانيين بمؤازرة بعض الصحراويين المدافعين عن خطة "الحكم الذاتي" في الصحراء الغربية وهؤلاء كانوا أضحوكة في موريتانيا وقطعت عنهم المملكة التمويل لعدم فعاليتهم، وقسم أخر يسمون أنفسهم صحفيين وحاول المغرب مرات عديدة أن يدفعهم إلى تسميم الساحة الإعلامية بمقالات في بعض الجرائد مؤيدة لأطروحته، لكن هؤلاء فشلوا أيضا ولم يبق من بقاياهم ورمادهم سوى بعض مراسلي القنوات العربية الذين يتحينون الفرص كي يلدغون كلما كان هناك "موجب."
أما القسم الخطير فهم السياسيون أو الشخصيات التي كانت ذات يوم في مناصب أو وظائف حكومية وصارت الآن تغرد خارج السرب وترافق القافلة من بعيد. فشخصية مثلا مثل وزيرة سابقة في الحكومة الموريتانية تأتي إلى المدن الصحراوية المحتلة وهي تعرف تمام المعرفة أنها محتلة حتى العظم والنخاع وأن أسمها الصحراء الغربية تروح تقول في لقاء صحفي لقناة مغربية في شهر نوفمبر الماضي" أنه لدينا ثقافة مشتركة مع هذه "الأقاليم الجنوبية" تعني الصحراء الغربية، وتروح تكرر الكلمة حوالي ثماني مرات في اللقاء، فلا شك أن كل من شاهد اللقاء لا بد أن يستفهم حول رفض السيدة المذكورة لذكر الصحراء الغربية بأسمها وما السر وراء ذلك التجاهل الرخيص. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فمجموعة أخرى ممن يسمون أنفسهم "رؤساء" أحزاب سياسية موريتانية يذهبون إلى العيون المحتلة، وهم أكثر من يعرف أنها محتلة، ويقدمون الولاء والطاعة يوم 2 يناير 2008م إلى ولد الرشيد في العيون ويتسلمون منه نسخا من خطة الحكم الذاتي ثم يخرجون على الملأ والمباشر ليقولون بالفم الملآن والمفتوح أنهم مع الخطة المغربية وأنها كفيلة ببناء اتحاد المغرب العربي وأنهم يؤازرون المغرب في الاحتلال. والواقع أن فعل مثل هذا قامت به مجموعة من "الموريتانيين" الذين يلبسون دراعة السياسة ويتقمصون تمثيل بعض الشرائح الموريتانية لا بد أننا فهمنا قصده. فهؤلاء الذين حجوا إلى الصحراء المحتلة في هذا الظرف جاءوا فقط لتمثيل دور مسرحي هو النكاية بزملائهم الشرفاء الذين شاركوا في مؤتمر البوليساريو الأخير ونالوا إعجاب الساحة الموريتانية وشعبها كله. إن الفرق الوحيد بين الموريتانيين الذين شاركوا الصحراويين مؤتمرهم والموريتانيين الذين شاركوا المغرب مسرحية احتلاله للصحراء الغربية هو فرق بسيط يتعلق بالرشوة والتكسب لا أكثر ولا أقل واستعمال المدح بنفاق لنيل الدعم. فالذين شاركوا الصحراويين مؤتمرهم جاءوا بغرض شريف وهو الدفاع عن قضية عادلة مقتنعين بها، وبهدف مؤازرة أشقائهم الصحراويين في محنتهم التي سببها الاحتلال، ولم يأتوا بهدف الحصول على دعم مهما كان نوعه بحكم أن البوليساريو حركة فقيرة اقتصاديا ولا تمتلك أموالا ولا وزنا سياسيا في موريتانيا يمكن أن يفيد هؤلاء اليوم أو غدا. أما الذين جاءوا إلى الاحتلال يطبلون له وينفخون مزاميره بأشداقهم فهم ليسوا سوى زمرة مرتشية تريد أن تعادل كفة أولئك الشرفاء الذين صدحوا بموقفهم من قضية الشعب الصحراوي وحقه في تقرير المصير. والواقع أن الصحراويين والموريتانيين الشرفاء الذين رأوا هؤلاء "الموريتانيين " أو الصحراويين ( إكاون السياسة) وهم يساندون الاحتلال المغربي في طرحه، لابد أنهم صدموا لأنهم لا يتصورون أن مواطنا موريتانياً واحدا شريفا يمكن أن يتجرأ على هذا الفعل المخل بالحياء كون الموريتاني معروف عالميا برجاحة عقله وعدم وقوعه في الفخ بسهولة، وكون الإجهاز على الشقيق فضيحة.
ومهما يكن من أمر اختراق الساحة الموريتانية وحتى الصحراوية من طرف المحتل المغربي فإن ما حدث ويحدث يبقى أفعالا معزولة يقوم بها أفراد يتاجرون بانتحال الشخصية الموريتانية والصحراوية ولبس الدراعة بينما موريتانيا والصحراء وشعبيهما منهم براء.
إن الموريتانيين "السياسيين " و" المثقفين" الذين ذهبوا إلى المغرب لتأييد خطة الحكم الذاتي – أخص الموريتانيين، كون الذين فعلوا ذلك الفعل من الصحراويين هم خونة-لا بد أنهم يستهزأون بالتاريخ الموريتاني ويجرحون الشعور الموريتاني ويتغابون عن حقيقة أن المغرب لا زال ملكيا ويحكمه إبن ذات الشخص الذي كان يطالب بموريتانيا ذات يوم وكان لا يعترف بها ويرفض مصافحة الرئيس الموريتاني ولا يعتبره رئيسا. إنه أمر بديهي جدا يمكن أن يستخلصه الإنسان البسيط وهو أن المغرب لا زال لا يعترف بالحدود بينه وموريتانيا ويحتفظ ببعض الخرائط يدرسها لتلاميذة "حزب الاستقلال" تضم موريتانيا والصحراء الغربية وجزء من الجزائر، ثم إن المغرب رفض مرات عديدة – استهزاءا- الاعتذار لموريتانيا عن المطالبة بها في الماضي القريب.
إنه شيء مدهش حقا أن يسترزق بعض الناس على حساب الكثير من الحقائق والكثير من البشر، والمشكلة من الآن فصاعدا هي كيف سيتعامل الموريتانيون والصحراويون مع ظاهرة "إكاون السياسة " الجدد هؤلاء، وهل سيعاملونهم معاملة إكاون الطرب أم ماذا سيكون مصيرهم في الثقافة الحسانية مستقبلا... بقلم: السيد حمدي يحظيه

No comments: